فصل: الحديث الثَّانِي عشر:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير



.الحديث الثَّانِي:

أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «تهادوا تحَابوا».
هَذَا الحَدِيث يرْوَى من طرق:
أَحدهَا: من حَدِيث ابْن عمر، رَوَاهُ يَحْيَى بن عبد الله بن بكر، عَن ضمام بن إِسْمَاعِيل، عَن أبي قبيل الْمعَافِرِي عَنهُ.
وَرَوَاهُ سُوَيْد بن سعيد الحدثاني وَعبد الْوَاحِد بن يَحْيَى وَمُحَمّد بن بكير الْحَضْرَمِيّ، عَن ضمام، عَن مُوسَى بن وردان، قَالَ ابْن طَاهِر فِي تَخْرِيج أَحَادِيث الشهَاب: قد أخرج مُسلم بِهَذَا الْإِسْنَاد قَوْله: «أَنا النذير الْعُرْيَان» يَعْنِي: مُحَمَّد بن بكير عَن ضمام عَن مُوسَى، قَالَ: وَقَول الْجَمَاعَة أولَى، وَإِن كَانَ مُحَمَّد بن بكير ثِقَة؛ فَيحْتَمل أَن يكون عِنْد ضمام فِيهِ طَرِيقين عَن أبي قبيل وَأبي مُوسَى. قَالَ: وَقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيث من طَرِيق آخر عَن ابْن عمر وفيهَا ضعف. قَالَ: وَأَصَح مَا ورد فِي هَذَا الْبَاب هَذَا الحَدِيث، مَعَ الِاخْتِلَاف عَلَيْهِ، وَقد صَحَّ: «أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ كَانَ يقبل الْهَدِيَّة، ويُثيب عَلَيْهَا».
ثَانِيهَا: من حَدِيث أم حَكِيم بنت وداع الْخُزَاعِيَّة المهاجرة رفعته: «تهادوا تزدادوا حُبًّا».
ذكره صَاحب الشهَاب وَقَالَ ابْن طَاهِر: إِسْنَاده غَرِيب، وَلَيْسَ بحُجَّة.
ثَالِثهَا: من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَفعه: «تهادوا تحَابوا».
رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي كتاب الْأَدَب خَارج الصَّحِيح، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من حَدِيث الْعَبَّاس بن مُحَمَّد الدوري، ثَنَا مُحَمَّد بن بكير الْحَضْرَمِيّ، ثَنَا ضمام بن إِسْمَاعِيل الْمصْرِيّ، عَن مُوسَى بن وردان، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا، ثمَّ قَالَ: ثَنَا أَبُو عبد الله الْحَافِظ، قَالَ: سمعتُ أَبَا زَكَرِيَّا الْعَنْبَري يَقُول: سمعتُ أَبَا عبد الله النوشنجي يَقُول فِي قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ: «تهادوا تحابُّوا»: بِالتَّشْدِيدِ من الْمحبَّة، وَإِذا قَالَ بِالتَّخْفِيفِ فَإِنَّهُ من الْمُحَابَاة.
رَابِعهَا: من حَدِيث عَائِشَة، رفعته: «تهادوا تزدادوا حُبَّا».
ذكره صاحبُ الشهَاب فِي مُسْنده قَالَ ابْن طَاهِر: وَإِسْنَاده غَرِيب، وَمَتنه مُنكر جدًّا، وَفِيه مُحَمَّد بن سُلَيْمَان لَا أعرفهُ.
خَامِسهَا: من حَدِيث عَطاء الْخُرَاسَانِي، رَفعه: «تصافحوا يَذهب الغل، وتهادوا تحابُّوا وَتذهب الشحناء».
رَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ كَمَا عزاهُ إِلَيْهِ الْمُحب فِي أَحْكَامه وَعَطَاء هَذَا يُرْسل عَن الصَّحَابَة ويعنعن.

.الحديث الثَّالِث:

أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «لَو دُعيت إِلَى كرَاع لَأَجَبْت، وَلَو أُهدي إليَّ ذِرَاع لقبلت».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة كَذَلِك فِي كتاب الْأَنْكِحَة مِنْهُ، وَأوردهُ في هَذَا الْبَاب بِلَفْظ: «لَو دعيت إِلَى ذِرَاع أَو كرَاع لَأَجَبْت، وَلَو أُهدي إليَّ ذِرَاع أَو كرَاع لقبلت».
فَائِدَة: الكراع: من حدِّ الرسغ، والذراع: من حدِّ اللَّحْم، وَقيل: إِن الكراع هُنَا اسْم مَوضِع، وَذكره الغزالى فِي الْإِحْيَاء بِلَفْظ: «كرَاع الغميم». وَلم أر من خرجه كَذَلِك، وَيَردهُ رِوَايَة التِّرْمِذِيّ عَن أنس مَرْفُوعا: «لَو أُهدي إليَّ كرَاع لقبلت، وَلَو دُعيت عَلَيْهِ لَأَجَبْت». ثمَّ صحَّحه.

.الحديث الرَّابِع:

أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «لَا تُحَقِّرَنَّ جارةٌ لجارتها وَلَو فِرْسِن شَاة».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور، وَزَادا فِي أَوله: «يَا نسَاء المسلمات، لَا تحقرن...» إِلَى آخِره، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ بِزِيَادَة فِيهِ، وَهَذَا لَفظه: «تهادوا؛ فَإِن الْهَدِيَّة تذْهب وحر الصَّدْر، وَلَا تحقرن جارةٌ لجارتها وَلَو شقّ فِرْسِن شَاة».
فَائِدَة: فِرْسِن الشَّاة: ظلفها، وَهُوَ فِي الأَصْل اسْم لِخُفِّ الْبَعِير، فاستُعِير للشاة، قَالَ ابْن السراج: ونونه زَائِدَة. و«وحْر الصَّدْر»: غشه ووساوسه وعلته. وَقيل: إِنَّه أَشد الْغَضَب، وَقيل: الحقد.

.الحديث الخَامِس:

«أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ تُحمل إِلَيْهِ الْهَدَايَا؛ فيقبلها من غير لفظٍ».
هُوَ كَمَا قَالَ، فَمن يتبع الْأَحَادِيث والسِّير وجده.
وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ من حَدِيث عَائِشَة قَالَت: «كَانَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم يقبل الْهَدِيَّة ويثيب عَلَيْهَا» وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ: «كَانَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآله وَسلم إِذا أُتي بِطَعَام سَأَلَ: أهدية أم صَدَقَة؟ فَإِن قيل: صَدَقَة؛ قَالَ لأَصْحَابه: كلوا وَلم يَأْكُل وَإِن قيل: هَدِيَّة؛ ضرب بِيَدِهِ فَأكل مَعَهم».
وَفِي جَامع التِّرْمِذِيّ فِي كتاب السّير، ومُسْند أَحْمد والْبَزَّار من حَدِيث عليّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ: «إِن كسْرَى أهْدَى إِلَى النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم هَدِيَّة فَقبل مِنْهُ، وَإِن الْمُلُوك أهدوا إِلَيْهِ فَقبل مِنْهُم».
وَفِي مُسْند أَحْمد زِيَادَة: «وَإِن قَيْصر أهْدَى فَقبل مِنْهُ» قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حسن غَرِيب. وَقَالَ الْبَزَّار: لَا نعلمهُ رُوي عَن عَلّي بِهَذَا اللَّفْظ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَاد.
وَفِي النَّسَائِيّ من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن عَلْقَمَة الثَّقَفِيّ قَالَ: «قدم وَفد ثَقِيف عَلَى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمَعَهُمْ هَدِيَّة، فَقَالَ: أهدية أم صَدَقَة؟ فَإِن كَانَت هَدِيَّة؛ فَإِنَّمَا يُبتغى بهَا وَجه رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَضَاء الْحَاجة، وَإِن كَانَت صَدَقَة؛ فَإِنَّمَا يبتغى بهَا وَجه الله- عَزَّ وَجَلَّ- قَالُوا: لَا؛ بل هَدِيَّة. فقبلها مِنْهُم، وَقعد مَعَهم يُسائلهم ويسألونه حَتَّى صَلَّى الظّهْر وَالْعصر».
وَالْأَحَادِيث فِي ذَلِك كَثِيرَة منتشرة.
قَالَ الرَّافِعِيّ: واشتهر وُقُوع الْكسْوَة وَالدَّوَاب فِي هَدَايَا رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَن أم وَلَده مَارِيَة كَانَت من الْهَدَايَا.
وَهُوَ كَمَا قَالَ، أما الْكسْوَة؛ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: «أَن أكيدر دومة أهْدَى لرَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم جُبَّة من سندس، وَكَانَ ينْهَى عَن الْحَرِير، فتعجَّبَ الناسُ مِنْهَا، فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْس محمدٍ بِيَدِهِ، إنَّ مناديل سعد بن معَاذ فِي الْجنَّة أحسن من هَذَا».
وَفِيهِمَا من حَدِيث عليٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: «أَن أكيدر دومة أهْدَى إِلَى النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم ثوب حَرِير؛ فَأعْطَاهُ عليًّا، قَالَ: شققه خُمُرًا بَين الفواطم».
وَفِي مُسْند أَحْمد وجَامع التِّرْمِذِيّ وسنَن النَّسَائِيّ عَن أنسٍ قَالَ: «بعث رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم جَيْشًا إِلَى أكيدر دومة؛ فَأرْسل إِلَى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم بجبة من ديباج، منسوج فِيهَا الذَّهَب، فلبسها رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَامَ عَلَى الْمِنْبَر- أَو جلس- فَلم يتَكَلَّم، ثمَّ نزل، فَجعل النَّاس يلمسون الْجُبَّة وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهَا، فَقَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: أتعجبون مِنْهَا؟ قَالُوا: مَا رَأينَا ثوبا قطّ أحسن مِنْهُ. فَقَالَ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: لمناديل سعد بن معَاذ في الْجنَّة أحسن مِمَّا ترَوْنَ» وَفِي سنَن أبي دَاوُد من حَدِيث عَلّي بن زيد بن جدعَان عَن أنسٍ: «أَن ملك الرّوم أهْدَى إِلَى النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم مستقة من سندس فلبسها، فَكَأَنِّي أنظر إِلَى يَدَيْهِ تذبذبان ثمَّ بعث بهَا إِلَى جَعْفَر؛ فلبسها ثمَّ جَاءَهُ، فَقَالَ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِنِّي لم أعطكها لتلبسها. قَالَ: فَمَا أصنع بهَا؟ قَالَ: أرسل بهَا إِلَى أَخِيك النَّجَاشِيّ».
والمستقة: بِضَم التَّاء وَفتحهَا؛ الفروة الطَّوِيلَة الْكَبِيرَة، وَجَمعهَا مساتق.
وَفِي سنَن أبي دَاوُد من حَدِيث أنس: «أَن ملك ذِي يزن أهْدَى إِلَى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم حلَّة، أَخذهَا بِثَلَاثَة وَثَلَاثِينَ بَعِيرًا فقبلها».
وأمَّا الدَّوَابّ؛ فَفِي صَحِيح البُخَارِيّ من حَدِيث أبي حميد السَّاعِدِيّ قَالَ: «غزونا مَعَ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم تَبُوك، وَأهْدَى ملك أَيْلَة للنَّبِي بغلة بَيْضَاء؛ فَكَسَاهُ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم بُردًا، وَكتب لَهُ ببحرهم، وَجَاء رسولُ ابْن الْعلمَاء صَاحب أَيْلَة إِلَى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم بِكِتَاب، وَأهْدَى إِلَيْهِ بغلة بَيْضَاء، فَكتب إِلَيْهِ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأهْدَى إِلَيْهِ بُردًا».
وَفِي كتاب الْهَدَايَا لإِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ من حَدِيث عليّ قَالَ: «أهْدَى يوحنا بن روزية إِلَى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم بغلته الْبَيْضَاء».
وَرَوَى الْحَرْبِيّ أَيْضا وَأَبُو بكر أَحْمد بن عَمرو بن أبي عَاصِم من حَدِيث عبد الله بن بُرَيْدَة، عَن أَبِيه: «أَن أَمِير القبط أهْدَى إِلَى النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم جاريتين وَبغلة؛ فَكَانَ يركب البغلة بِالْمَدِينَةِ، وَأخذ إِحْدَى الجاريتين لنَفسِهِ، ووهب الْأُخْرَى لحسان».
وَفِي صَحِيح مُسلم «أَن فَرْوَة الجذامي أهْدَى إِلَى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم بغلة بَيْضَاء، ركبهَا يَوْم حنين».
وأمَّا مَارِيَة فَهِيَ إِحْدَى الجاريتين السالفتين.
وَقد أُهدي لَهُ غيرُ ذَلِك؛ فَفِي مُسْند أَحْمد من حَدِيث عَلّي بن زيد بن جدعَان، عَن أنس قَالَ: «أهْدَى الأكيدر لرَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم جَرَّة من مَنٍّ فلمَّا انْصَرف رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم من الصَّلَاة مر عَلَى الْقَوْم، فَجعل يُعْطي كل رجل مِنْهُم قِطْعَة، فَأعْطَى جَابِرا قِطْعَة، ثمَّ إِنَّه رَجَعَ إِلَيْهِ فَأعْطَاهُ قِطْعَة أُخْرَى، فَقَالَ: إِنَّك أَعْطَيْتنِي مرّة. قَالَ: هَذَا لبنات عبد الله».
وَفِي علل ابْن أبي حَاتِم: سَأَلت أبي وَأَبا زرْعَة عَن حَدِيث رَوَاهُ عَمرو بن حكام، عَن شُعْبَة عَن عَلّي بن زيد بن جدعَان، عَن أبي المتَوَكل النَّاجِي، عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ: «أهْدَى ملك الرّوم إِلَى النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم هَدَايَا، فَكَانَ فِيمَا أهْدَى إِلَيْهِ جَرَّة فِيهَا زنجبيل» فَقَالَا: لَا نعرفه من حَدِيث شُعْبَة رَوَاهُ سُفْيَان بن حُسَيْن، عَن عَلّي بن زيد، عَن أنس. قلت: فَهَذَا صَحِيح؟ قَالَا: لَا، هَذَا أشبه، وأمَّا حَدِيث عَمرو بن حكام فَإِنَّهُ مُنكر، لَا نعلم أَنه رَوَاهُ أحد سُوَى عَمْرو بن حكام. قَالَ:
فَمَا حَال عَمْرو بن حكام؟ قَالَا: فَلَيْسَ بِالْقَوِيّ. قَالَ أَبُو زرْعَة: كَانَ قدم الرّيّ فَكتب عَنهُ أخي أَبُو بكر. قَالَ الذَّهَبِيّ: وَهُوَ مُنكر من وُجُوه:
أَحدهَا: أَنه لَا يُعلم أَن ملك الرّوم أهْدَى إِلَى النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم شَيْئا.
قلت: بلَى؛ قد أهْدَى لَهُ كَمَا سلف عَن سنَن أبي دَاوُد.
ثَانِيهَا: أَن هَدِيَّة الزنجبيل من الرّوم إِلَى الْحجاز شَيْء يُنكره الْعقل، فَهُوَ نَظِير هَدِيَّة التَّمْر من الرّوم إِلَى الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة.
وَاعْلَم أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قبل هَدَايَا الْكفَّار كَمَا أسلفناه، وَقد ورد أَنه امْتنع من قبُولهَا؛ رَوَى كَعْب بن مَالك قَالَ: «جَاءَ مُلاعب الأسِنَّة إِلَى النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم بهدية، فَعرض عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ عَلَيْهِ الإسلامَ فَأَبَى أَن يُسلِم، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: أَنا لَا أقبل هَدِيَّة مُشْرك» رَوَاهُ ابْن شاهين بِإِسْنَادِهِ.
وَفِي حَدِيث عِيَاض بن حمَار: «أَنه أهْدَى إِلَى النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم هَدِيَّة وَهُوَ مُشْرك، فردَّها وَقَالَ: أَنا لَا أقبل زبد الْمُشْركين».
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَهُوَ عَلَى شَرط البُخَارِيّ كَمَا قَالَه صاحبُ الاقتراح وَذكر الأثرمُ فِي الْجمع بَين هَذِه الْأَحَادِيث ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَن أَحَادِيث الْقبُول أثبت، وَحَدِيث عِيَاض فِيهِ إرْسَال.
ثَانِيهَا: أَن حَدِيث عِيَاض كَانَ فِي أوَّل الْإِسْلَام، وَحَدِيث أكيدر دومة فِي آخر الْأَمر قبل موت النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم بِيَسِير، فَيكون هَذَا من النَّاسِخ والمنسوخ، وَبِهَذَا أجَاب عبد الْحق فِي أَحْكَامه فَقَالَ: حَدِيث عِيَاض كَانَ قبل غَزْوَة تَبُوك. ثمَّ سَاق حَدِيث أبي حميد السالف.
ثَالِثهَا: أَن يكون قبُول الْهَدِيَّة لأهل الْكتاب دون أهل الشّرك، وعياض لم يكن من أهل الْكتاب.
يَبْقَى: «أَنه قبل من كسْرَى». وَجَوَابه: من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن فِي إِسْنَاده ثُوَيْر بن أبي فَاخِتَة وَلَيْسَ بِثِقَة عِنْدهم. ثَانِيهمَا: أَن يكون الْقبُول مَنْسُوخا فِي حق من لَا كتاب لَهُ.
فَائِدَة مهمة: رَوَى الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه عَن عبد الله بن أَحْمد بن حَنْبَل، ثَنَا سعيد بن مُحَمَّد، ثَنَا أَبُو تُمَيْلة يَحْيَى بن وَاضح، نَا مُحَمَّد بن إِسْحَاق، حَدثنِي مُحَمَّد بن عبد الْملك بن أبي بكر، عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن مولَى آل طَلْحَة، عَن ابْن الحوتكية، عَن عمار بن يَاسر قَالَ: «كَانَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يَأْكُل من هَدِيَّة حَتَّى يَأْمر صَاحبه أَن يَأْكُل مِنْهَا للشاة الَّتِي أُهديت لَهُ».
وَرَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم بن عَسَاكِر فِي تَارِيخ دمشق عَن أبي نصر الْقشيرِي، أبنا الْبَيْهَقِيّ، أبنا الْحَاكِم، أبنا عَلّي الحبيبي، أَنا خَالِد بن أَحْمد، حَدثنِي أبي، حَدثنِي سعيد بن سلم بن قُتَيْبَة، حَدثنِي أبي، نَا يَحْيَى بن الْحُسَيْن بن الْمُنْذر، عَن أَبِيه أبي ساسان، سَمِعت عمار بن يَاسر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه يَقُول: «كَانَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يَأْكُل الْهَدِيَّة حَتَّى يَأْكُل مِنْهَا من أهداها إِلَيْهِ، بَعْدَمَا أَهْدَت إِلَيْهِ الْمَرْأَة الشَّاة المسمومة بِخَيْبَر».

.الحديث السَّادِس:

عَن جَابر بن عبد الله، أَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «أَيّمَا رجل أعمر عمرى لَهُ ولعقبه فَإِنَّهَا للَّذي أُعطيها، لَا ترجع إِلَى الَّذِي أَعْطَاهَا؛ لِأَنَّهُ أعْطى عَطاء وَقعت فِيهِ الْمَوَارِيث».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه كَذَلِك سَوَاء. وَفِي رِوَايَة لمَالِك: «لَا ترجع إِلَى الَّذِي أَعْطَاهَا أبدا».
و«أُعمر» بِضَم أَوله، عَلَى مَا لم يُسم فَاعله، أَجود من الْفَتْح.

.الحديث السَّابِع:

أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «الْعُمْرَى ميراثُ لأَهْلهَا».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، أخرجه مُسلم في صَحِيحه من طَرِيقين:
أَحدهمَا: من طَرِيق جَابر سَوَاء. ثَانِيهمَا: من طَرِيق أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: «الْعُمْرَى جَائِزَة» وبلفظ: «الْعُمْرَى مِيرَاث لأَهْلهَا. أَو قَالَ: جَائِزَة».
والأوَّل من أَفْرَاد مُسلم؛ بل لم يُخرِّج البُخَارِيّ عَن جَابر فِي الْعُمْرَى غير حَدِيث: «قَضَى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم بالعمرى أَنَّهَا لمن وهبت لَهُ» وَالثَّانِي أخرجه البُخَارِيّ بِاللَّفْظِ الأول فَقَط.
وَأخرجه أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ من حَدِيث الْحسن عَن سَمُرَة أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ قَالَ: «الْعُمْرَى جَائِزَة لأَهْلهَا أَو قَالَ: مِيرَاث لأَهْلهَا».
وَأخرجه أَحْمد بِهَذَا اللَّفْظ من حَدِيث جَابر.
وَأخرجه ابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث زيد بن ثَابت بلفظين:
أَحدهمَا: «الْعُمْرَى سَبِيلهَا سَبِيل الْمِيرَاث».
ثَانِيهمَا: «قَضَى بالعمرى للْوَارِث» وبلفظٍ ثَالِث: «من أُعمر أَرضًا فَهِيَ لوَرثَته».

.الحديث الثَّامِن:

عَن جَابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «لَا تعمروا وَلَا ترقبوا؛ فَمن أعمر شَيْئا أَو أرقبه فسبيله الْمِيرَاث».
هَذَا الحَدِيث كَرَّرَه الرَّافِعِيّ فِي الْبَاب، وَذكره الشَّافِعِي فِي الْمُخْتَصر بِغَيْر إسنادٍ من هَذَا الْوَجْه مَرْفُوعا كَذَلِك، إِلَّا أَنه قَالَ: «فَهُوَ سَبِيل الْمِيرَاث» بدل «فسبيله الْمِيرَاث» وَتبع فِي إِيرَاده كَذَلِك الْغَزالِيّ فِي وسيطه.
وَرَوَاهُ الرّبيع عَنهُ: أبنا ابْن عُيَيْنَة، عَن ابْن جريج، عَن عَطاء بن أبي رَبَاح، عَن جَابر مَرْفُوعا بِلَفْظ الْمُخْتَصر سَوَاء، وَهَذَا إِسْنَاد ثَابت.
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ فِي سُنَنهمَا كَذَلِك سَوَاء، إِلَّا أَنَّهُمَا قَالَا: «فَهُوَ لوَرثَته» بدل «فسبيله الْمِيرَاث».
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدِّين فِي آخر الاقتراح: وَهُوَ عَلَى شَرط الصَّحِيحَيْنِ.

.الحديث التَّاسِع:

عَن جَابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَنه قَالَ: «إِنَّمَا الْعُمْرَى الَّتِي أجازها رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يَقُول: هِيَ لَك ولعقبك من بعْدك. فَأَما إِذا قَالَ: هِيَ لَك مَا عِشْت؛ فَإِنَّهَا ترجع إِلَى صَاحبهَا».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، أخرجه مُسلم فِي صَحِيحه كَذَلِك سَوَاء، دون قَوْله: «من بعْدك».

.الحديث العَاشِر:

عَن النُّعْمَان بن بشير رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: «أَن أَبَاهُ أَتَى بِهِ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ: إِنِّي نحلت ابْني هَذَا غُلَاما كَانَ لي. فَقَالَ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: أكُلُّ ولدك نحلت مثل هَذَا؟ فَقَالَ: لَا. قَالَ: أيَسُرُّك أَن يَكُونُوا إِلَيْك فِي الْبر سَوَاء؟ قَالَ: نعم. قَالَ: فَلَا إِذا». ويُروى: «قَالَ: فارتجعه» ويُروى أَنه قَالَ: «اتَّقوا اللهٌ، واعدلوا فِي أَوْلَادكُم».
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الشَّافِعِي فِي الْمُخْتَصر عَن مَالك، عَن الزُّهْرِيّ، عَن حميد بن عبد الرَّحْمَن، وَعَن مُحَمَّد بن النُّعْمَان بن بشير، حدّثنَاهُ عَن النُّعْمَان بن بشير «أَن أَبَاهُ أَتَى بِهِ إِلَى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم...» فَذكره إِلَى قَوْله: «قَالَ: لَا. قَالَ: فأرجعه» قَالَ الشَّافِعِي: وَقد سَمِعت فِي هَذَا الحَدِيث أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «أَلَيْسَ يَسُرك أَن يَكُونُوا فِي الْبر إِلَيْك سَوَاء؟ فَقَالَ: بلَى. قَالَ: فأرجعه» وَرَوَاهُ الرّبيع، عَن الشَّافِعِي، عَن مَالك كَذَلِك إِلَى قَوْله: «فأرجِعه» قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي الْمعرفَة: كَذَا رَوَاهُ أَبُو عبد الله- يَعْنِي: الْحَاكِم، شَيْخه- وَرِوَايَة أبي زَكَرِيَّا وَأبي بكر سُفْيَان أَو مَالك- شكّ أَبُو الْعَبَّاس، يَعْنِي: الْأَصَم- قَالَ: وَقد أبنا أَبُو عبد الله فِي مَوضِع آخر: ثَنَا أَبُو الْعَبَّاس، أبنا الرّبيع، أَنا الشَّافِعِي، أَنا سُفْيَان بن عُيَيْنَة، عَن ابْن شهابٍ... فَذكره. وَقد رَوَاهُ الْمُزنِيّ عَن الشَّافِعِي عَن كل مِنْهُمَا، ثمَّ سَاق بِسَنَدِهِ إِلَى الْمُزنِيّ، ثَنَا الشَّافِعِي، عَن سُفْيَان، عَن الزُّهْرِيّ، عَن حميد بن عبد الرَّحْمَن وَمُحَمّد بن النُّعْمَان بن بشير، عَن أَبِيه: «أَنه نحل ابْنا لَهُ عبدا» وَالصَّوَاب: «أَن أَبَاهُ نحل ابْنا لَهُ عبدا؛ فجَاء بِهِ إِلَى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم يشهده، فَقَالَ: كل ولدك نحلت مثل هَذَا؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فاردده».
قَالَ: وبإسناده ثَنَا الشَّافِعِي، عَن مَالك... فَذكره كَمَا أسلفناه عَن الْمُخْتَصر وَأخرجه البُخَارِيّ، وَمُسلم من حَدِيث مَالك، وَمُسلم من حَدِيث ابْن عُيَيْنَة، وَقَول الشَّافِعِي فِي الْمُخْتَصر: وَقد سمعتُ فِي هَذَا الحَدِيث... إِلَى آخِره، وَهُوَ فِي رِوَايَة دَاوُد بن أبي هِنْد وَغَيره عَن عَامر الشّعبِيّ، عَن النُّعْمَان بن بشير، قَالَه الْبَيْهَقِيّ فِي الْمعرفَة ثمَّ قَالَ: قَالَ الشَّافِعِي: وَحَدِيث النُّعْمَان حَدِيث ثَابت، وَبِه نَأْخُذ.
قلت: وَله أَلْفَاظ فِي صَحِيح مُسلم مِنْهَا: «فأرجعه» وَمِنْهَا: «فَرده» وَمِنْهَا: «فَرجع أبي فَرد تِلْكَ الصَّدَقَة» وَمِنْهَا: «فَلَا تشهدني إِذا؛ فَإِنِّي لَا أشهد عَلَى جور» وَمِنْهَا: «فَأشْهد عَلَى هَذَا غَيْرِي» وَمِنْهَا: «فَلَيْسَ يصلح هَذَا، وَإِنِّي لَا أشهد إِلَّا عَلَى حق» ذكر مُسلم هَذِه من حَدِيث أبي الزبير عَن جَابر.
وللبخاري: «فَاتَّقُوا الله، واعدلوا بَين أَوْلَادكُم! قَالَ: فَرجع فَرد عطيته» وَله: «فأرجعه».
قَالَ عبد الْحق: وَلم يذكر البُخَارِيّ من هَذِه الْأَلْفَاظ إِلَّا قَوْله: «فَلَا تشهدني عَلَى جور» وَهُوَ عِنْده عَلَى الشَّك، ثمَّ قَالَ: وَقَالَ أَبُو حريز عَن الشّعبِيّ: «لَا أشهد عَلَى جور». لَيْسَ عِنْدِي إِلَّا هَذَا.
تَنْبِيه: وَقع فِي بسيط الْغَزالِيّ ووسيطه أَن الْوَاهِب هُوَ النُّعْمَان بن بشير، تبعا للرواية السالفة، وَالصَّوَاب خِلَافه، لكنه لم ينْفَرد بِهِ، وَقد أوضحت ذَلِك فِي تخريجي لأحاديثه فَتنبه لَهُ.
فَائِدَة: المنحول كَانَ عبدا، كَمَا أسلفناه.
فَائِدَة أُخْرَى: رد الْخطابِيّ خبر النُّعْمَان هَذَا بِخَبَر جَابر السالف، وَقَالَ: إِنَّه أولَى مِنْهُ؛ لِأَن جَابِرا أحفظ لَهُ وأضبط؛ لِأَن النُّعْمَان كَانَ صَغِيرا، وَفِي حَدِيث جَابر: أَنه شاوره عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ قبل الْهِبَة. فدلَّ عَلَى مَا هُوَ الأولَى بِهِ.

.الحديث الحَادِي عشر:

رُوي أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «سووا بَين أَوْلَادكُم فِي الْعَطِيَّة فَلَو كنت مفضلاً أحدا لفضلت الْبَنَات».
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش عَن سعيد بن يُوسُف، عَن يَحْيَى بن أبي كثير عَن عِكْرِمَة، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم... فَذكره بِهِ سَوَاء، إِلَّا أَنه قَالَ: «النِّسَاء» بدل «الْبَنَات» وَإِسْمَاعِيل هَذَا حجَّة إِذا رَوَى عَن الشاميين، وَشَيْخه سعيد بن يُوسُف شَامي، نعم الشَّأْن فِي شَيْخه؛ فَإِن أَحْمد وَغَيره تكلمُوا فِيهِ، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: لَيْسَ بالمشهور، وَحَدِيثه لَيْسَ بالمنكر. وَقَالَ ابْن عدي: لَا أعلم يروي عَنهُ غير إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش، وَهُوَ قَلِيل الحَدِيث، ورواياته ثابتات الْأَسَانِيد لَا بَأْس بهَا، وَلَا أعرف لَهُ شَيْئا أنكر مِمَّا ذكرت من حَدِيث عِكْرِمَة- يَعْنِي: هَذَا- وَذكره ابْن حبَان فِي ثقاته وَلما ذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي ضُعَفَائِهِ ذكر فِيهِ قَول يَحْيَى: ضَعِيف الحَدِيث. وَقَول النَّسَائِيّ: لَيْسَ بِالْقَوِيّ. وَاقْتصر عَلَى ذَلِك، وَقَالَ فِي تَحْقِيقه لما سَاق الحَدِيث بِالْإِسْنَادِ السالف: إِسْمَاعِيل وَسَعِيد ضعيفان. وَقد عرفت أَن الضعْف فِي هَذَا الحَدِيث لَا من جِهَة إِسْمَاعِيل؛ بل من جِهَة سعيد، وَلَيْسَ ضعفه مُتفقًا عَلَيْهِ، كَمَا علمت أَيْضا. وَوَقع فِي الضُّعَفَاء لَهُ: أَن سعيدًا هَذَا يروي عَن إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش. وَالْمَعْرُوف فِي تَرْجَمته أَن إِسْمَاعِيل يروي عَنهُ، فَتنبه لَهُ. وَزَاد القَاضِي حُسَيْن فِي رِوَايَته لهَذَا الحَدِيث زِيَادَة غَرِيبَة، لم أر من خرجها، وَهِي: «سووا بَين أَوْلَادكُم فِي الْعَطِيَّة، حَتَّى القُبَل».

.الحديث الثَّانِي عشر:

أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «لَا يحل لواهب أَن يرجع فِيمَا وهب، إِلَّا الْوَالِد؛ فَإِنَّهُ يرجع فِيمَا وهب لوَلَده».
قَالَ الرَّافِعِيّ: وَأَيْضًا فقد رُوي أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «لَا يحل لرجل يُعطي عَطِيَّة أَو يَهب هبة فَيرجع فِيهَا إِلَّا الْوَالِد فِيمَا يُعطي وَلَده وَمثل الَّذِي يُعطي الْعَطِيَّة ثمَّ يرجع فِيهَا كَمثل الْكَلْب يَأْكُل؛ فَإِذا شبع قاء ثمَّ عَاد فِيهِ».
هَكَذَا سَاقه الرَّافِعِيّ مساقة حديثين، وهما حَدِيث وَاحِد، أَشَارَ إِلَيْهِ الشَّافِعِي فِي الْمُخْتَصر فَإِنَّهُ قَالَ: وَلَو اتَّصل حَدِيث طَاوس: «لَا يحل للْوَاهِب أَن يرجع فِيمَا وهب، إِلَّا وَالِد فِيمَا وهب لوَلَده» لَقلت بِهِ، وَرَوَاهُ عَن مُسلم بن خَالِد، عَن ابْن جريج، عَن الْحسن بن مُسلم، عَن طَاوس أَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «لَا يحل لواهب أَن يرجع فِيمَا وهب، إِلَّا الْوَالِد من وَلَده» ثمَّ قَالَ بعده بِقَلِيل: وَلَو اتَّصل حَدِيث طَاوس... فَذكر مَعْنَى مَا تقدم عَن الْمُخْتَصر قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي الْمعرفَة: وَهَذَا الحَدِيث إِنَّمَا يُروى مَوْصُولا من جِهَة عَمْرو بن شُعَيْب، وَعَمْرو ثِقَة ثمَّ أسْندهُ من حَدِيث أبي دَاوُد، ثَنَا يزِيد بن زُرَيْع، ثَنَا حُسَيْن الْمعلم، عَن عَمرو بن شُعَيْب، عَن طَاوس، عَن ابْن عُمر وَابْن عَبَّاس، عَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: «لَا يحل لرجل أَن يُعطي عَطِيَّة أَو يهب هبة فَيرجع فِيهَا إِلَّا الْوَالِد فِيمَا يُعطي وَلَده، وَمثل الَّذِي يُعطي الْعَطِيَّة ثمَّ يرجع فِيهَا كَمثل الْكَلْب يَأْكُل حَتَّى إِذا شبع قاء ثمَّ عَاد فِي قيئه».
قَالَ: وَهَذَا الحَدِيث يُؤكده مُرْسل الْحسن بن مُسلم بن يناق- يَعْنِي: السالف- والْحَدِيث الْمَوْصُول عَن النُّعْمَان بن بشير، وَحَدِيثه فِي الْمَنْع من رُجُوع غَيره يؤكده حَدِيث ابْن عَبَّاس الثَّابِت فِي الصَّحِيح: «الْعَائِد فِي هِبته كالعائد فِي قيئه». وَفِي رِوَايَة: «كَالْكَلْبِ يعود فِي قيئه». قَالَ همام: قَالَ قَتَادَة: وَلَا نعلم الْقَيْء إِلَّا حَرَامًا. وَرَوَاهُ فِي سنَنه من حَدِيث عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج كَمَا سلف، بِلَفْظ: «لَا يحل لأحد يهب لأحد هبة ثمَّ يعود فِيهَا إِلَّا الْوَالِد»- وَهَذَا متابعٌ لمُسلم بن خَالِد- ثمَّ قَالَ: هَذَا مُرْسل، وَقد روُي مَوْصُولا. ثمَّ سَاقه من حَدِيث إِسْحَاق بن يُوسُف الْأَزْرَق، عَن حُسَيْن الْمعلم، عَن عَمرو بن شُعَيْب، عَن طَاوس، عَن ابْن عَبَّاس وَابْن عُمر قَالَا: قَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: «لَا يَنْبَغِي لأحد أَن يُعْطي عَطِيَّة فَيرجع فِيهَا، إِلَّا الْوَالِد فِيمَا يُعْطِيهِ وَلَده، وَمثل الَّذِي يُعْطي الْعَطِيَّة ثمَّ يرجع فِيهَا كَالْكَلْبِ يَأْكُل حَتَّى إِذا شبع قاء، ثمَّ عَاد فَرجع فِي قيئه» ثمَّ سَاقه من حَدِيث يزِيد بن زُرَيْع، عَن حُسَيْن كَمَا سلف عَن أبي دَاوُد، ثمَّ سَاقه من حَدِيث عبد الْوَارِث، عَن عَامر الْأَحول عَن عَمرو بن شُعَيْب، عَن أَبِيه، عَن جده قَالَ: قَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: «لَا يرجع فِي هِبته إِلَّا الْوَالِد، والعائد فِي هِبته كالعائد فِي قيئه». ثمَّ قَالَ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ إِبْرَاهِيم بن طهْمَان وَسَعِيد بن أبي عرُوبَة، عَن عَامر الْأَحول، وَكَذَلِكَ يُرْوى عَن سعيد بن بشير، عَن مطر وعامر الْأَحول عَن عَمرو، عَن أَبِيه، عَن جده: أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «لَا يرجع الرجل فِي هِبته، إِلَّا الْوَالِد من وَلَده، والعائد فِي هِبته كالعائد فِي قيئه».
وَيحْتَمل أَن يكون عَمرو بن شُعَيْب رَوَاهُ من الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، فحسين الْمعلم حُجَّة، وعَامر الْأَحول ثِقَة، وَرُوِيَ عَن مطر وعامر نَحْو رِوَايَة عَامر وَحده. وَقَالَ فِي خلافياته لما أخرجه من حَدِيث إِسْحَاق الْأَزْرَق عَن حُسَيْن: تَابعه يزِيد بن زُرَيْع وَيزِيد بن هَارُون عَن حُسَيْن، وحسين من الثِّقَات، وَكَذَلِكَ سَائِر رُوَاته. ثمَّ سَاقه من حَدِيث عبد الْوَارِث عَن عَامر، ثمَّ ذكر مُتَابعَة إِبْرَاهِيم وَسَعِيد ومطر لعامر، ثمَّ قَالَ: وَكَأن عَمْرو بن شُعَيْب سمع الحَدِيث من الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا.
قلت: وَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده من حَدِيث حُسَيْن، كَمَا سلف، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي جامعه من حَدِيث ابْن أبي عدي، عَن حُسَيْن الْمعلم، عَن عَمْرو بن شُعَيْب، عَن طَاوس، عَن ابْن عُمر وَابْن عَبَّاس، رَفَعَاهُ: «لَا يحل لأحدٍ أَن يُعْطِي عَطِيَّة فَيرجع فِيهَا، إِلَّا الْوَالِد فِيمَا يُعْطي وَلَده».
وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا من هَذَا الْوَجْه، كَمَا أخرجه أَبُو دَاوُد، وَأخرجه ابْن مَاجَه من هَذَا الْوَجْه أَيْضا، وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالنَّسَائِيّ أَيْضا من حَدِيث عَمرو بن شُعَيْب، عَن أَبِيه، عَن جده مَرْفُوعا: «لَا يرجع أحد فِي هِبته إِلَّا الْوَالِد من وَلَده». وَقد سُئِل الدَّارَقُطْنِيّ عَن حَدِيث عَمرو هَذَا وحَدِيث ابْن عُمر وَابْن عَبَّاس؛ فَقَالَ: لَعَلَّ الإسنادين محفوظان. وَقد سلف هَذَا عَن الْبَيْهَقِيّ أَيْضا، وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه كَمَا أخرجه أَبُو دَاوُد، ثمَّ قَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد- قَالَ: وَهَذَا الحَدِيث رَوَاهُ عَمرو بن شُعَيْب عَن طَاوس- وَلَا أعلم خلافًا فِي عَدَالَة عَمرو بن شُعَيْب، إِنَّمَا اخْتلفُوا فِي سَماع أَبِيه من جده. ثمَّ رَوَى بإسنادٍ إِلَى الإِمَام أَحْمد أَن مُحَمَّد بن عَلّي بن حمدَان الْوراق قَالَ لَهُ: عَمرو بن شُعَيْب سمع من أَبِيه شَيْئا؟ فَقَالَ: هُوَ عَمرو بن شُعَيْب بن مُحَمَّد بن عبد الله بن عَمرو وَقد صَحَّ سَماع عَمرو بن شُعَيْب من أَبِيه شُعَيْب، وصَحَّ سَماع شُعَيْب من جده عبد الله بن عَمرو. قَالَ ابْن حبَان فِي صَحِيحه: عَمرو بن شُعَيْب فِي نَفسه ثِقَة يحْتَج بِخَبَرِهِ إِذا رَوَى عَن غير أَبِيه.
قلت: هَذِه طَرِيقَته، وَقد أسلفنا فِي بَاب الْوضُوء صِحَة الِاحْتِجَاج بِهِ إِذا رَوَى عَن أَبِيه عَن جده.